أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

33

العقد الفريد

تظلّ الرّيح عاصفة عليه * ويرعى حوله اللّهق النّوار « 1 » فذاك النّأي لا الهجران حولا * وحولا ثم تجمعنا الدّيار وهذا نظير قول ليلى الأخيلية : لعمرك ما الهجران أن تشحط النّوى * ولكنما الهجران ما غيّب القبر « 2 » ونظيره قول خنساء : نأي الخليلين كون الأرض بينهما * هذا عليها وهذا تحتها رمما « 3 » وأنشد الآخر : إذا ما المنايا أخطأتك وصادفت * حبيبك فاعلم أنها ستعود عمر وأعرابي بالجبانة : الرياشي قال : مرّ عمر بن الخطاب بالجبّانة فإذا هو بأعرابيّ ، فقال : ما تصنع هنا يا أعرابي في هذه الديار الموحشة ؟ قال : وديعة لي هاهنا يا أمير المؤمنين . قال : وما وديعتك ؟ قال : بنيّ لي دفنته ، فأنا أخرج إليه كل يوم أندبه . قال : فاندبه حتى أسمع . فأنشأ يقول : يا غائبا ما يئوب من سفره * عاجله موته على صغره يا قرّة العين كنت لي سكنا * في طول ليلي نعم وفي قصره شربت كأسا أبوك شاربها * لا بدّ يوما له على كبره يشربها والأنام كلّهم * من كان في بدوه وفي حضره فالحمد للّه لا شريك له * الموت في حكمه وفي قدره قد قسّم العمر في العباد فما * يقدر خلق يزيد في عمره

--> ( 1 ) اللهق : الثور الوحشي ؛ والنوار : النفور . ( 2 ) نشحط : تبعد . ( 3 ) الرّمم : البالي من كل شيء .